المقدمة: عندما يصبح التفاعل هو البوصلة
في عالم المنصات الرقمية، لم يعد المحتوى يُقاس بقيمته أو صدقه فقط، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات التي يحققها. خلف كل “تريند” ناجح، توجد منظومة خوارزميات تحدد ما يظهر وما يختفي. ومع الوقت، تغيّر السؤال من: ماذا أريد أن أقدّم؟ إلى: ماذا تريد الخوارزمية أن أقدّم؟
هنا يظهر ما يمكن تسميته مجازًا بـ «اكتئاب الخوارزميات»: حالة من الإرهاق الذهني وفقدان الدافعية، ناتجة عن السعي المستمر لإرضاء منطق آلي لا يتوقف.
أولًا: سجن الاستمرارية… لماذا يشعر كثيرون بالإرهاق؟
تعتمد معظم المنصات على مبدأ الاستمرارية العالية، حيث يُكافأ الحضور الدائم ويُهمّش التوقف.
-
الخوف من الاختفاء: التوقف المؤقت عن النشر قد يؤدي إلى تراجع ملحوظ في الوصول.
-
ضغط التكرار: للحفاظ على التفاعل، يلجأ البعض إلى إعادة إنتاج نفس الصيغة الناجحة، مما يقلل مساحة التجريب والابتكار.
-
تحول الإبداع إلى واجب: مع الوقت، يفقد المحتوى عفويته ويصبح أقرب إلى مهمة يومية مرتبطة بالأرقام.
هذا النمط لا يؤثر فقط على صُنّاع المحتوى، بل ينعكس أيضًا على تجربة المستخدم العادي.
ثانيًا: التفاعل وكيمياء الدماغ
يعتمد تصميم المنصات الرقمية على آليات تحفيزية مرتبطة بالدماغ، حيث يُنظر إلى الإعجابات والمشاركات كإشارات قبول اجتماعي.
-
ارتفاع التفاعل يمنح شعورًا بالرضا والتحفيز.
-
انخفاضه قد يُفسَّر ذهنيًا على أنه تجاهل أو عدم تقدير.
هذا لا يعني وجود مشكلة نفسية بحد ذاتها، لكنه يوضح كيف يمكن للأرقام أن تؤثر في المزاج وتقدير الذات إذا أصبحت المقياس الوحيد للقيمة.
ثالثًا: من يصنع الذوق العام؟
تعمل الخوارزميات على عرض المحتوى الذي يُبقي المستخدم أطول فترة ممكنة، لا بالضرورة المحتوى الأكثر تنوعًا أو عمقًا.
النتيجة:
-
انتشار أنماط متشابهة
-
تفضيل الصيغ السهلة والسريعة
-
تراجع المحتوى المختلف أو غير المألوف
ومع التكرار، قد يشعر المستخدم أن خياراته محدودة، بينما هي في الحقيقة مُرشّحة مسبقًا.
الخاتمة: نحو وعي رقمي أكثر إنسانية
الخوارزميات أدوات، وليست قدرًا محتومًا. الوعي بطريقة عملها يساعد على التعامل معها دون الوقوع في فخ قياس القيمة الذاتية بالأرقام فقط.
العودة إلى الأصالة، وتحديد حدود صحية للاستهلاك الرقمي، قد تكون خطوة أولى نحو استعادة المعنى الحقيقي للمشاركة والتعبير.
ربما لا نستطيع إيقاف الخوارزمية، لكننا نستطيع ألا نسمح لها بأن تعرّف من نكون.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق